ابن كثير
127
البداية والنهاية
قال السائب بن الأقرع : فلما أنخت بعيري بالكوفة ، أناخ البريد على عرقوب بعيري ، وقال : أجب أمير المؤمنين ، فقلت : لماذا ؟ فقال : لا أدري . فرجعنا على إثرنا ، حتى انتهيت إليه . قال : مالي ولك يا بن أم السائب ، بل ما لابن أم السائب ومالي ، قال : فقلت : وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ويحك والله إن هو إلا أن نمت في الليلة التي خرجت فيها فباتت ملائكة الله تسحبني إلى ذينك السفطين وهما يشتعلان نارا ، يقولون لنكوينك بهما . فأقول : إني سأقسمهما بين المسلمين . فاذهب بهما لا أبا لك فبعهما فاقسمهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم ، فإنهم لا يدرون ما وهبوا ولم تدر أنت معهم . قال السائب : فأخذتهما حتى جئت بهما مسجد الكوفة وغشيتني التجار فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف . ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف . فما زال أكثر أهل الكوفة مالا بعد ذلك . قال سيف : ثم قسم ثمنهما بين الغانمين فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين . قال الشعبي : وحصل للفارس من أصل الغنيمة ستة آلاف وللراجل ألفان وكل المسلمون ثلاثين ألفا . قال : وافتتحت نهاوند في أول سنة تسع عشرة لسبع سنين من إمارة عمر ، رواه سيف عن عمرو بن محمد عنه . وبه عن الشعبي قال : لما قدم سبي نهاوند إلى المدينة جعل أبو لؤلؤة - فيروز غلام المغيرة بن شعبة - لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح رأسه وبكى وقال : أكل عمر كبدي - وكان أصل أبي لؤلؤة من نهاوند فأسرته الروم أيام فارس وأسرته المسلمون بعد ، فنسب إلى حيث سبي - قالوا : ولم تقم للأعاجم بعد هذه الوقعة قائمة ، وأتحف عمر الذين أبلوا فيها بألفين تشريفا لهم وإظهارا لشأنهم . وفي هذه السنة افتتح المسلمون أيضا بعد نهاوند مدينة جي - وهي مدينة أصبهان - بعد قتال كثير وأمور طويلة ، فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب أمان وصلح وفر منهم ثلاثون نفرا إلى كرمان لم يصالحوا المسلمين ( 1 ) . وقيل : إن الذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن وأنه قتل بها ، ووقع أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه ومات وانهزم أصحابه . والصحيح أن الذي فتح أصبهان عبد الله بن عبد الله بن عتبان - الذي كان نائب الكوفة - وفيها افتتح أبو موسى قم وقاشان ، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان . وذكر ابن جرير عن الواقدي : أن عمرو بن العاص سار في جيش معه إلى طرابلس ( 2 ) قال :
--> ( 1 ) في فتوح ابن الأعثم : أن الفاذوسفان صاحب أصبهان ( وفي الطبري الفيروزان ) هرب في ثلاثين فارسا ولحق بيزدجرد . وفي فتوح البلدان : خرج ليلحق بيزدجرد إلى كرمان فلحق به عبد الله بن بديل . . . فتبارزا ثم صالحه الفيرزان على أصبهان انظر الطبري 4 / 247 والكامل 3 / 11 وابن الأعثم 2 / 69 - 70 . ( 2 ) في الطبري 4 / 250 انطابلس .